0

Next event in:

  • 00 DAYS
  • 00 HR
  • 00 MIN
  • 00 SEC
+

News

Saint Ayoub

Categories: Church Calendar

في 6 أيار تحتفل الكنيسة بعيد

القدّيس أيوب الصدّيق

في خاتمة سفر أيوب الصدّيق، بحسب الترجمة اليونانية المعروفة بالسبعينية، أن المصحف السرياني كتب أن سكنى أيوب كانت في بلاد حوران، على حدود آدوم والعربية وأن اسمه كان يوباب. وقد اتّخذ امرأة عربية وكان أبوه زارات، أحد أبناء عيسو، وأمّه بوسوره. لا نعرف الزمن الذي عاش فيه ولا متى كُتب السفر المعروف باسمه ولا مَن كتبه. ثمّة مَن يعيده إلى زمن إرميا النبي وثمّة مَن يجعله بعد السبي البابلي وثمّة مَن يعتقد أن البيئة والظروف التي يتحدّث عنها السفر تشبه البيئة والظروف التي عرفها الآباء الأوّلون. لذلك يميل هؤلاء إلى أرجاعه إلى الألف الثاني قبل الميلاد. هذا بالنسبة لزمان أيوب وسفره، أما مُرسح الحوادث المصوّرة في السفر فيبدو أنه الهضبة الواقعة شرقي أو جنوبي شرقي فلسطين حيث تقع عوص وتيمان وشوّة ونعمة. أما الكاتب فيُظنّ أنه أحد أهل فلسطين.

موضوع السفر هو ألم البار، لماذا يتألّم؟ إذا لم يكن آلام البار لتعود إلى خطاياه فإلام تعود؟

السفر، بصورة أساسية، حوارات جرت بين أيوب وأصحابه أليفاز وبلدد وصوفر وأليهو بغرض إلقاء الضوء على موضوع الألم في تدبير الله. أما خاتمة السفر فكشف إلهي يتكلّم فيه على هذا الأمر كما لا يتكلّم الناس.

هكذا استهلّ السفر كلامه على أيوب: “كان صالحاً كاملاً يتّقي الله ويحيد عن الشرّ (1: 1) . ولأنّه كان كذلك، وفق فهم الأقدمين، باركه الله ومَن عليه بخيرات جزيلة. أنجب سبعة أبناء وثلاث بنات. كان خَدَمُه كثيرين جداً. وكانت له من الغنم والجمال والبقر والأتن أعداد هائلة قياساً بثروات ذلك الزمان. والسفر يقول عنه بكلمة أنه كان “أعظم أبناء المشرق قاطبة” (1: 3) .

إلى ذلك كان أيوب يحرص على تقديس بنيه أي على تطهيرهم والتكفير عمّا يمكن أن يكون قد بدر عنهم من إساءات إلى الله. “فكان ينهض مبكراً في الصباح ويُقرِّب محرقات على عددهم قائلاً: لئلا يكون بنيّ قد أخطأوا في قلوبهم وجدّفوا على الله” .

“هذا ما واظب عليه أيّوب دائماً” (1: 5) . ولم يكن سعيه كاملاً في عين نفسه أو وفق مقاييس زمانه فقط لأن الربّ الإله نفسه شهد له أنه “لا نظير له في الأرض، فهو رجل كامل صالح يتّقي الله ويحيد عن الشرّ” (1: 8) .

ومع ذلك حدث لأيوب، بسماح من الربّ الإله، ما تخطّى النمط العادي المألوف لعلاقة الله بشعبه لجهة ثواب البار وعقاب الأشرار. هنا أُسلم أيّوب إلى الألم رغم برّه، أو بالأحرى لأنّه بار. هنا الجدّة في الكشف الإلهي. ماذا حدث؟

دخل الشيطان في الصورة متَّهماً أيّوب ومشكِّكاً له. هكذا طرح قضيّته: ليس مجّاناً يسلك أيّوب في البرّ بل يتوخّى الربح أولاً. فلأنه ينتفع من الله يتّقيه،  وهو يتّقيه من باب التأمين على نفسه وعلى بنيه وخيراته. برّ أيّوب، في اتهام الشيطان إذاً، برّ نفعي، لذلك قال الشيطان لله في شأنه: “حالما تمدّ يدك وتمسّ جميع ما يملك، فإنه في وجهك يجدِّف عليك” (1: 11) . الشيطان يطرح مسألة جدّية أساسية في شأن طبيعة علاقة الإنسان بالله: هل يُعقل أن يحبّ الإنسان الله لذاته من غير أن يكون له مطمح لما يأتيه منه من خيرات وبركات؟

وسلّم الربّ الإله الشيطان كل ملكية أيوب، “إنما لا تمدّ يدك إليه لتؤذيه”، كما قال.

وكان، بعد حين، أن استولى الغزاة على البقر والأُتن واحترقت الأغنام واستولى الكلدانيون على الجمال وقتلوا الغلمان، خدّام أيّوب، ولم يُفلت منهم إلاّ واحد نجا وخبّر. كذلك هبّت رياح شديدة اجتاحت البيت حيث كان أيّوب وبناته مجتمعين فانهار عليهم فماتوا والغلمان معهم إلاّ واحد نجا وخبّر. وهكذا خسِرَ أيّوب كل مّن له وما له، فماذا كان ردّ فعله؟ أقام في حزن عبّر عنه السفر بأن “مزّق جِبّته وجزّ شعر رأسه وأكبّ على الأرض ساجداً” (1: 20) ولكن هل كفر أيوب بإلهه أو جدّف عليه كما توهّم الشيطان وادّعى؟ كلا أبداً، بل قال: “عرياناً خرجت من بطن أمّي وعرياناً أعود إلى هناك. الرب أعطى والرب أخذ، فليكن اسم الرب مباركاً” (1: 21) . في هذا كلّه، كما يبدي السفر، لم يخطئ أيّوب في حقّ الله ولم يَعزُ له حماقة (1: 22) .

هكذا استبان تقدير الشيطان، في شأن أيّوب، في غير محلّه. بكلام آخر، خطة الشيطان لحمل أيّوب على الكفر بإلهه باءت بالفشل. ومع ذلك استمرّ الشيطان في محاولاته فطرح أمراً آخر. ماذا يكون موقف الإنسان لو جُرِّب في صحّتِه؟ أفما يكون مستعدّاً لأن يبذل كل ما يملك فداء لنفسه؟ أيتّقي الله بعدُ ويحفظ الأمانة ولا يستسلم لليأس إذا لم يكن الله ليردّ له صحّته وعافيته؟ أيكون مستعدّاً لأن يموت على الأمانة خلواً من الصحّة والمقتنيات؟ علام يعوٍّل إذ ذاك؟ البركة التي ينشدها، إذا ما اختطّ هذا الدرب، تتخطى المنظور إلى غير المنظور، والفانيات إلى الباقيات، والعالم الحاضر إلى الملكوت الآتي، والموت إلى الحياة الأبديّة. في نهاية السفر في كل حال، وردت آية، في الترجمة السبعينيّة تقول إنه: “كُتب أيضاً أنه (أي أيّوب) سيقوم مع الذين يقيمهم ربّنا” (42: 17) . فكأن الشيطان يعوِّل على فقدان أيّوب رجاءه بإلهه فيكون التجديف عليه، والحال هذه، تعبيراً عن كون الرجاء بالله باطلاً. فماذا حدث؟ ابتلى الشيطانُ أيّوب، بسماح من الله، بقروح انتشرت في بدنه كلّه، من قمّة رأسه إلى أخمص قدمه. فجلس أيّوب وسط الرماد وتناول شقفة يحكّ بها قروحه (2: 7 – 8) . ولكن حتى بعدما أصاب أيّوب ما أصابه لم يكفر بإلهه. ولما تدخّلت زوجته وأوحت إليه، كمن الشيطان: “أما زلت معتصماً بكمالك؟ جدِّف على الله ومتْ” أجابها: “أنتِ تتكلّمين كالجاهلات! أنقبل الخير من عند الله ولا نقبل المضرّة. في هذا كلّه لم ترتكب شفتا أيّوب خطأ في حق الله” (2: 9 – 10) .

هنا دخل أصحاب أيّوب الثلاثة في الصورة: أليفاز التيماني وبلدد الشوحي وصوفر النعماتي، بالإضافة إلى رابع هو آخر المتكلّمين وهو إليهو البوزي. هؤلاء جاؤوا لتعزية أيوب. وبعد سبعة أيام جلسوا فيها معه على الأرض ورفعوا خلالها أصواتهم بالبكاء ومزّق كل واحد منهم جبّته وذرّوا تراباً فوق رؤوسهم، أقول بعد سبعة أيام تكلّم أيّوب فلعن اليوم الذي وُلد فيه (3: 1) وتساءل بمرارة “لِمَ لَمْ أَمُتْ في الرحم … لماذا لم أُطمَر في الأرض كسِقط لم يَر النور؟ فهناك يكفّ الأشرار عن إثارة المتاعب، وهناك يرتاح المُرهَقون” (3: 11 – 17) . أيضاً سأل أيّوب، في مرارة نفسه، لماذا يُوهَب نورٌ وحياة لرجل ضلّت به طريقه وسدّ الله حوله؟ (3: 23) .

إجابات أصحاب أيّوب لم تحمل له، في الحقيقة، عزاء بل مزيداً من المرارة وإدانة. أليفاز قال إن أيّوب يتألّم لأنه أخطأ. “هل هلك أحد وهو بريء؟” (4: 7) . “أيمكن أن يكون الإنسان أبرّ من الله؟” (4: 17) ثم ينصحه بالإعتراف بخطاياه. “لو كنتُ في مكانك لاتّجهتُ إلى الله وعرضت أمري عليه” (5: 8) . وهو يدينه صراحة: “أما أنت فإنك تطرح جانباً مخافة الله وتنقض عبادته. كلامك يُقرّ بإثمك” (15: 4 – 5) .

أما بلدد فأضاف أن أيّوب ظلّ يتألّم لأنه لم يُرِد الإقرار بذنبه. واتّهمه بالرياء ووبّخه ووسمه بالكبرياء لأنّه ادّعى أن معاناته لم تكن نتيجة خطيئة ارتكبها. كلام أيّوب، في نظره، كان كلام جهل. قال له: “تعقّل ثم تكلّم” (18: 2) . وجاء دور صوفر النعماتي فكان أشدّ قسوة على أيّوب من زميلَيه. قال له: “إن الله عاقبك على إثمك بأقلّ ما تستحقّ (11: 6) . ونصحه بأن ينبذ الإثم الذي تلطّخت به كفّاه، فإذا لم يعد الجَور يقيم في خيمته، إذ ذاك يرفع وجهه بكرامة ويكون راسخاً من غير خوف (11: 14 – 15) .

أليهو البوزيالذي كان أصغر أصحاب أيّوب كان آخر المتكلّمين (32: 4) . نحا منحى مختلفاً عن منحى الثلاثة الباقين. قال إن الله قد يقوِّم الإنسان بالألم على مضجعه وبالأوجاع الناشبة في عظامه حتى تعاف حياته وشهيّتُه لذيذ المأكل (33: 19 – 20) . ولكن الله ليس بظالم (34: 12) . أما أيّوب فقد فغر فاه بالباطل وأكثرَ من الكلام بجهل (35: 16) .

هذه كانت، بعامة، مواقف أصحاب أيّوب منه. أما هو فبعدما لعن يوم مولده (3) ووصف حزنه بأنه أثقل من رمل البحر (6: 3) ورجا الله أن يسحقه لتبقى له، على حدّ تعبيره، تعزية وبهجة أنه في خضم آلامه لم يجحد كلا القدّوس (6: 9 -10) ، تمسّك بالقول إنه بار وسأل، في مرارة نفسه، موجّهاً كلامه إلى ربّه: “لماذا جعلتني هدفاً لك؟ لماذا جعلني عبئاً على نفسي” (7: 20) ؟ واستبان أيّوب، بإزاء ما عانى، كما في حيرة من أمره. هو يعرف أنه بريء ولكنه لا يعرف بماذا يجيب الله. قال: “إني رغم براءتي لا أقدر أن أجيبه، إنما أسترحم دياّني” (9: 15) . شعوره بالأحرى، كان أنه مستذنَب، فلماذا يجاهد عبثاً؟ (9: 29) . كان أيّوب على يقين أنه بريء مما اتّهمه به أصحابه (9: 35) ، ولكن ليس الله بإنسانٍ ليجاوبه (9: 32) . يقول لله: “فهّمني لماذا تخاصمني؟” (10: 2) . ويلومه أيضاً وأيضاً: “لماذا تحجب وجهك وتعاملني مثل عدو لك؟” (13: 24) . وإذ يطلب منه أن يواريه عالم الأموات إلى أن يعبر عنه غضبُه يتساءل: “إن مات رجل أفيحيا؟” (14: 14) . ويذهب في توجّهه إلى ربّه إلى حدّ اتهامه بالظلم: “حاصرني رُماته وشقّ كُليتيّ من غير رحمة … مع أني لم أقترف ظلماً وصلاتي مخلصة” (16: 13 ، 17) . رغم ذلك، رغم أن أيّوب وجد في ما حصل له، من لدن الله،  ظلماً، فإنه تحسّر وعبّر عن حاجته لمَن يدافع عنه أمام الله “كما يدافع إنسان عن صديقه” على حدّ تعبيره (16: 21) . ثم يعود فيتحوّل إلى ربّه، ليلتجئ إليه. يتذمّر منه ليعود إليه قائلاً: “كن لي ضامناً عند نفسك، إذ مَن يمكن أن يكون كفيلي؟” (17: 3) . هكذا تبدو معاناة أيّوب تردّداً بين الأسى العميق واليقين الشديد بإلهه، حتى ليصرخ” “إني موقن أن فاديّ حيّ وأنه لا بدّ في النهاية أن يقوم على الأرض وبعد أن يفنى جلدي فإني بذاتي أعاين الله” (19: 25 – 26) .

بين كرّ وفرّ، بين استظلام لله ولجوء إليه، تستبين طبيعة المشاعر المتلاطمة المتصارعة التي عصفت بأيّوب.

أخيراً كلّم الرب أيّوب من العاصفة (38: 1) . “مَن ذا الذي يُظلم القضاء بكلام مجرّد من المعرفة؟” (38: 2) . “أتشُكُّ في قضائي أو تستذنبني لتبرّر نفسك؟” (40: 8) . ثم يورد السيّد الربّ في صيغة أسئلة كل تدابيره في خلقه ليوحي لأيّوب بكل الحكمة التي برأ بها الخليقة والدقّة المتناهية في إثبات أحكامه. وبالنتيجة عاد أيّوب إلى نفسه ليجيب: “أنظر، أنا صغير فبماذا أجيبك؟ ها أنا أضع يدي على فمي. لقد تكلّمتُ مرّة ولن أُجيب ومرّتين ولن أُضيف” (40: 4). ثم استدرك وقال لربّه: ” حقاً لقد نطقتُ بأمور لم أفهمها وبعجائب تفوق إدراكي … بسمع الأذن سمعتُ عنك والآن رأتك عيني، اذلك ألوم نفسي وأتوب معفِّراً ذاتي بالتراب والرماد” (42: 3 ، 5 – 6) .

ورضيَ الله عن أيّوب أخيراً وحمّق أصحابه الثلاثة لأنّهم لم ينطقوا بالصواب عنه كما نطق عبدُه (42: 7) وأمرهم أن يمضوا إليه، ويقرّبوا محرقات عن أنفسهم ليصلّي أيّوب من أجلهم فيعفو عنهم القدير إكراماً له (42: 8) . وهكذا كان. أما أيّوب فردّه الربّ من عزلة منفاه (42: 10) وضاعف كل ما كان له من قبل وبارك آخرته أكثر من أولاه.

صورة أيّوب تذكّر بصورة عبد يهوه في إشعياء النبي (53) . هذا لم يرتكب جوراً ولا في فمه غشّ ومع ذلك سُرَّ الله أن يسحقه بالحزن. الصورتان إيقونتان لحَمَل الربّ، مع وضوح في ملامح عبد يهوه. أيّوب بار تألّم وعبد يهمه بار تألم من أجل آثامنا وسُحق من أجل معاصينا وبجراحه برئنا (إش 53: 5) . إذا كان أيّوب قد تذمّر واستذنب ربّه فإن عبد يهوه “لم يفتح فاه بل كشاة سيق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازّيها لم تفتح فاه” (إش 53: 7) . أيّوب يرّر نفسه لمّا أقرّ بجهله واستغفر وعبد يهوه برّر كثيرين بمعرفته وحَمَل آثامهم. كل الصورة تنجلي وتتّضح غوامض ألم البار بظهور مسيح الرب في الجسد وتعريفه عن نفسه أنه “الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف … لهذا يحبّني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضاً. ليس أحد يأخذها منّي بل أضعها أنا من ذاتي (يو 10) . هو فعَل ذلك من أجل أن نتبرّر نحن بالإيمان به (رو 3: 28) لأنه، على حدّ قول بولس الرسول، “أُسلِمَ من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا” (رو 4: 25) .

المرجع: سِيَر القدّيسين وسائر الأعياد في الكنيسة الأرثوذكسية (السنكسار) – الجزء الرابع